الرئيسية > الأدب العالمي > روايات عالمية > رواية القلب صياد وحيد – كارسون مكولرز

رواية القلب صياد وحيد – كارسون مكولرز

رواية القلب صياد وحيد تأليف كارسون مكولرز

أوضحت الكاتبة كارسون ماكالرز معالم الحياة الريفية الرتيبة في روايتها من خلال علاقة صداقة تقوم، خصوصاً، بين مجموعة من الرفاق الذين لا يجمع، في الأساس، أي جامع بينهم.

هناك أولاً الصبية مايك كيلي، ذات الرابعة عشرة، والتي قد ينم طول قامتها وغرقها الدائم في التأمل والتفكير عما يزيد كثيراً عن تلك السن. مايك، انطلاقاً من هذا تبدو، كما قلنا، متأرجحة بين الأعمار والجنسين. وغارقة في شكل دائم في أحلام تنتمي إلى البعيد. ومايك تلتقي في شكل دائم، وعلى رغم ممانعة أهلها، جاك بلاونت، السكير الأبدي الذي يمضي جل وقته في مقهى برانون.

وإلى جاك هذا، هناك الدكتور كوبلاند الطبيب الأسود الذي تعلّم في الشمال لكنه عاد إلى الجنوب إذ رأى من واجبه أن يساعد أبناء جلدته السود في تلك البلدة. أما محور هذه الحلقة فهو الأصم الأبكم جون سنغر، الطويل النحيل، الذي لأنه لا يمكنه أن يتحدث عما يقال له، بل لا يمكنه أصلاً أن يسمعه، يصبح أشبه بكرسي اعتراف بالنسبة إلى أصدقائه. وهذا الواقع هو الذي يعطي الرواية إيقاعها، بل حتى شكلها الأدبي. ذلك أن كارسون قسمت الرواية فصولاً، يكاد كل واحد منها أن يكون كرسي الاعتراف لواحدة من الشخصيات.

إذ تشكل مناجاة كل شخصية، في حضرة سنغر الذي يقال كل شيء أمامه، جزءاً من هذا العمل، لكنه جزء يشتغل، من ناحية على كشف وحدة كل شخصية وأمنياتها غير المتحققة، واللاتواصل بين شتى الشخصيات، لكنه يشتغل من ناحية ثانية، على مراكمة نفسية عنيفة داخل جون سنغر نفسه. فهو بدوره، لديه أمور كثيرة قد يحب أن يقولها. ويزداد شعوره في كل لحظة، بعجزه عن إيصال ما يعتمل في داخله، بسبب بكمه وفقدانه السمع. ومن هنا تتراكم مخاوفه وآلامه متصاعدة حتى لحظة الانفجار.

تماماً كما أن دوستويفسكي كان يقول دائماً: «نحن جميعاً خرجنا من معطف غوغول»، -ما يعني أنه وأبناء جيله من كبار الروائيين الروس أواسط القرن التاسع عشر، ما كان لهم أن يكتبوا أعمالهم، لولا أن غوغول قد فتح لهم أبواب الحكي الروائي مشرعة في عمله الرائد «المعطف» -، كذلك يمكن قطاعاً كبيراً من روائيي النصف الثاني من القرن العشرين في الولايات المتحدة، أن يقول إنه جيل خرج من «قلب» كارسون ماكالرز، وتحديداً من روايتها الأولى والكبرى «القلب صياد وحيد». فهذه الرواية صنعت للأدب الأميركي ما تصنعه الإبداعات الرائدة في كل مكان في العالم: أيقظته على مواضيع جديدة، عرّفته بلغة حكي جديدة، وأعطته أبطالاً جدداً.

ومع هذا لم تكن كارسون قد تجاوزت الرابعة والعشرين من عمرها حين أصدرت تلك الرواية عام 1940، فنزلت على الحياة الثقافية الأميركية كالصاعقة. وذلك تحديداً انطلاقاً من المواضيع الملاصقة للحياة، التي سبرت الكاتبة أغوارها في ذلك العمل المبكر. المواضيع التي لا تزال تهيمن على الأدب الأميركي وعلى غيره من الآداب أيضاً حتى اليوم، بعد نحو ثلثي قرن من صدور الرواية، من دون أن ننسى شخصياتها المنتزعة من واقع القهر وخيبة الحلم الأميركي.

القلب صياد وحيد

تحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *